محمد متولي الشعراوي
9126
تفسير الشعراوي
تشهدوا أنكم بلّغتُم الناس ، وما دُمْتم بلَّغتم الناس مَنْطِقاً ولفظاً فلا بُدَّ أنْ يكون سلوكاً أيضاً ، لأن لكم في رسول الله أسوة حسنة . ودائماً ما يقرن الحق تبارك وتعالى بين الصلاة والزكاة ، والصلاة تأخذ بعض الوقت ، والزكاة تأخذ المال الذي هو فرع العمل الذي هو فرع الوقت ، فإنْ كانت الزكاة تأخذ نتيجة الوقت ، فالصلاة تأخذ الوقت نفسه . إذن : ففي الصلاة زكاة أبلغ من الزكاة . وإنْ كان في الزكاة نماء المال وبركته وإنْ كانت في ظاهرها نقصاً ففي الصلاة نماء الوقت وبركته ، فإياك أنْ تقول : أنا مشغول ، ولا أجد وقتاً للصلاة ؛ لأن الدقائق التي ستصلي فيها فَرْض ربك هي التي ستُشِيع البركة في وقتك كله . كما أنك حين تقف بين يَدَيْ ربك في الصلاة تأخذ شحنة إيمانية نوارنية تُعينك على أداء مهمتك في الحياة ، وتعرض نفسك على ربِّك وخالقك وصانعك ، ولن تُعدم خيراً ينالك من هذا اللقاء . ولك أنْ تتصوّر صنعةً تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم ، هل يصيبها عُطْل أو عَطَب ؟ ! وإنْ كان المهندس الصانع يعالج بأشياء مادية فلأنه حِسِّيٌّ مشهود ، أما الخالق سبحانه فهو غَيْب يصلحك من حيث لا تدري . وإنْ كان إسماعيل عليه السلام يأمر أهله بالصلاة والزكاة فهو حريص عليها من باب أَوْلَى . وقوله تعالى : { وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } [ مريم : 55 ] أي : رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، ليس لخصال الخير التي وصفه بها ، بل من بدايته ، فقد رضي عنه فاختاره رسولاً ونبياً .